ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

ومعنى قوله : " من الإقامة على العذر " ، أي أسأل الله أن يوفقني للإقامة على الاجتهاد ، وبذل الوسع في الطاعة ، وذلك [ لأنه ( 1 ) ] إذا بذل جهده فقد أعذر ، ثم فسر اجتهاده في ذلك في رضا الخلق ، ولم يفسر اجتهاده في رضا الخالق ، لأنه معلوم ، فقال : هو حسن الثناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد . فإن قلت : فقوله " وتمام النعمة " على ماذا تعطفه ؟ قلت ، هو معطوف على " ما " من قوله " لما فيه " ، كأنه قال : أسال الله توفيقي لذا ولتمام النعمة ، أي ولتمام نعمته على ، وتضاعف كرامته لدى ، وتوفيقه لهما هو توفيقه للأعمال الصالحة التي يستوجبهما بها . * * * [ فصل في ذكر بعض وصايا العرب ] وينبغي أن يذكر في هذا الموضع وصايا من كلام قوم من رؤساء العرب أوصوا بها أولادهم ورهطهم ، فيها آداب حسان ، وكلام فصيح وهي مناسبة لعهد أمير المؤمنين عليه السلام هذا ، ووصاياه المودعة فيه ، وإن كان كلام أمير المؤمنين عليه السلام أجل وأعلى من أن يناسبه كلام ، لأنه قبس من نور الكلام الإلهي ، وفرع من دوحة المنطق النبوي . روى ابن الكلبي قال : لما ( 2 ) حضرت الوفاة أوس بن حارثة أخا الخزرج ، لم يكن له ولد غير مالك بن الأوس ، وكان لأخيه الخزرج خمسة ، قيل له : كنا نأمرك بأن تتزوج في شبابك فلم تفعل حتى حضرك الموت ، ولا ولد لك إلا مالك ! فقال : لم يهلك هالك ترك مثل مالك ، وإن كان الخزرج ذا عدد ، وليس لمالك ولد ، فلعل الذي استخرج .

--> ( 1 ) من د . ( 2 ) أمالي القالي 1 : 20